الرئيسية / مقالات / الدولة الفاشلة وحلم عودة الاستعمار
باسل ترجمان

الدولة الفاشلة وحلم عودة الاستعمار

باسل ترجمان

دمرت بيروت مرة أخرى وهدم مينائها ليس بفعل عدوان جديد او متجدد، بل بفعل عدو شعبها الأول دولة الفساد الفاشلة، مؤلم أن تستمع لمن يقول إن ما فعله السياسيون بأبناء الشعب اللبناني لم يفعله اعداء لبنان به، لكنها الحقيقة التي فرضها أكبر تفجير غير نووي في التاريخ ليعيد للأذهان جرائم وجرائم ارتكبها الاقطاع السياسي الطائفي بحق شعب يبحث عن انتماء وطني لا طائفي.

 

لبنان يلملم جراح لا يبدو شفائها ممكناً أو قريباً يواجه منظومة فساد قد تكون الاكثر وقاحة في التاريخ، فهذه المنظومة التي يحكمها اقطاع سياسي طائفي يتحالف ويتلاقى بحسب مصالحه مع زعماء الطوائف الأخرى رغم ما كان بينها من حروب ودماء راح ضحيتها أبناء الفقراء من اللبنانيين الذين زرعوا في عقولهم أن ولائهم للطائفة وزعمائها هو المنقذ لهم من رغبات الطوائف الاخرى بإخراجهم من لبنان والقضاء عليهم.

 

الذين قتلوا ودمرت بيوتهم لبنانيين، والذين تسببوا بهذه المأساة لبنانيون أيضا، والمشكلة اليوم لدى الاقطاع السياسي على من سيرمون حمل الجريمة بعد أن سقطت روايات وقوف طرف خارجي وراء الجريمة وكل طائفة بحسب قائمة اعدائها الخارجيين لأن طوائف لبنان ليس لها عدو واحد بل اعداء، والحقيقة التي تؤلم جميع اللبنانيين أن الجلاد والضحية اليوم يقفون عراة أمام بعضهم لا يملكون ما يسترون به عورات دولة الفساد الطائفي الفاشلة.

 

الدولة الفاشلة ليست وليدة اللحظة بل وليدة انكسار مشروع الدولة الوطنية لصالح انظمة حكم الفساد، ولبنان الذي جسد بدستوره الطائفي انكسار اي فكرة لدولة وطنية كان يحمل في طيات هذا الدستور مؤشرات فناءه وانهياره الذي يعيشه اليوم.

 

واللبناني لم يكن ولسنوات طويلة باستثناء قلة من المتنورين العلمانيين يتحدث خارج إطار الطائفة المتجسدة في تقاسم خيرات الوطن لصالح اقطاع سياسي ناهب للمال ومتاجر بألم البشر ومصائبهم، لم يبقى فعل سيء لم يرتكب بحق الشعب اللبناني من النفايات النووية والأطعمة الملوثة وصولا للسعي لفرض ضرائب على محادثات تطبيق “واتس أب” على الهواتف الجوالة.

 

الدولة الفاشلة ليست وليدة المرحلة بل نتاج تراكم انكسارات مشروع الدولة الوطنية التي وئدت في لبنان قبل قيامها، ومثلها مثل دول كثيرة زرع فيها الفساد لتكون الدولة الفاسدة ضماناً لئلا يكون هناك عدالة لشعوبها التي تستهان كرامتها وتعتبر الفساد قضاءً وقدراً والحكم يتوارث مثل الشركات التي نهبت دون أن يمتلك أحد منهم فيها أي حق.

 

دولة الفساد هي التي دفعت لهبة اسقاط الانظمة في ما سمي “الربيع العربي” لتحل محله الدولة الفاشلة التي تمهد بغباء مبرمج للحرب الاهلية والتقسيم العرقي والطائفي، ودولة الفشل التي يتماهى رموزها من اباطرة دولة الفساد شكلوا تحالفاً قاد لأن يخرج البعض من اللبنانيين بعد الانفجار مطالباً بعودة الانتداب الفرنسي، تماماً مثلما يحاول البعض إيهام عقول القطيع أن حكم العثمانيين واحتلالهم للعالم العربي جلب للمسلمين العزة والمجد متناسين عمداً ما تسببت به اربعمائة سنة من غزوهم من كوارث ونكبات مازال العالمين العربي والاسلامي الذي رزح تحت حكمهم يعاني من تبعاتها.

 

الدولة الفاشلة وريث الدولة الفاسدة حقائق تفرض نفسها بعمق وقوة في العالم العربي والنماذج كثيرة والاسئلة المهمة التي تطرح اليوم، أي بديل عن هذه الاقدار الثلاث السيئة الفساد الفشل او عودة الاستعمار، في لبنان تماماً مثل العراق نبضات امل يقودها شباب خرجوا من عباءة الطائفية والاقطاع السياسي والديني نحو حلم استعادة معنى الدولة الوطنية الوطن لكل ابناءه، الدولة الوطنية التي يبحث المواطن عنها تضمن له العيش بكرامة بما تملك، أن يعيش عزيزاً تحت سلطة القانون وأن يتساوى الجميع أمامه، الدولة الوطنية التي تعلم ابنائها واجب محاربة الفساد والتصدي له وليس تبريره باعتباره قدر لا مفر منه.

 

تحد بناء الدولة الوطنية أكبر من تحد التحرر من الاستعمار، لا يمكن أن يتحقق دون أن يكون له جامع وطني يحقق السير نحو الهدف فلا حرية مع الفساد ولا ديمقراطية مع الفساد ولا كرامة مع الفساد، هل سيؤشر انفجار بيروت لبداية عهد الدولة الوطنية ونهاية دول الفساد والفشل.

شاهد أيضاً

في ذكراه.. لا لوم على العاشقين يا ناصر

      ليس لدي مثل أعلى أو زعيم أو قائد أراه الأفضل، لم اتعصب …

Elmethaq