الرئيسية / ثورة 30 يونيو / انتصار عقل “أكتوبر” وشعب “يوليو” في ثورة 30 يونيو ‏

انتصار عقل “أكتوبر” وشعب “يوليو” في ثورة 30 يونيو ‏

 

 

محمود بسيوني ‏

 

لم تكن ثورة 30 يونيو 2013 مجرد ثورة على حكم الإخوان المسلمين بل كانت ‏لحظة زمنية فارقة تصالحت فيها الدولة المصرية مع ذاتها وأنهت كثير من ‏الانقسامات والتنازعات الفكرية التي لازمتها لسنوات طويلة.‏

 

في هذا اليوم المجيد أدار عقل “أكتوبر” داخل القوات المسلحة والشعب الذي أيد ‏ثورة يوليو 1952 معركتهم الكبرى مع قوى استعمارية حاولت خطف مصر ‏لصالح مشروع إقليمي تدعمه قوى كبرى يعيدها لعصر الانزواء مرة أخرى لمدة ‏‏500 سنة تحت حكم خلافة تركية وهمية كان تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي ‏يعمل لحسابها ومؤيده بتيار العولمة الجديد بقيادة باراك أوباما ويتجدد هذه الأيام ‏مع نائبة جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية.

يختصر البعض ملحمة نصر اكتوبر1973 في قوة المقاتل المصري ومهارة ‏استخدامه للسلاح، وعقيدة تحرير الأرض، فيما تنزوي النظرة للعقل الذي أدار ‏المعركة بكفاءة واقتدار حتى عبرت مصر بر الأمان واستعادت الأرض.‏

 

تتقاطع العقلية التي أدارت معركة العبور العظيم مع العقلية التي أدارت معركة تحرير ‏الوطن من الفاشية الدينية في 30 يونيو 2013 في عدة محاور، أهمها على الإطلاق ‏التحام الشعب المصري مع قيادته وحالة الوحدة التي تجمع المصريين من أجل تحقيق ‏هدف واحد وهو الانتصار وتحرير الأرض في أكتوبر، ثم التخلص من براثن حكم ‏الجماعة الإرهابية في يونيو.‏

 

تلك العقلية الجسورة التي قررت تحدى العالم كله من اجل حرية واستقلال مصر، و ‏أعلنت استعدادها مع الشعب لدفع الثمن، هي روح الندية التي تسري في الجسد ‏المصري وتقوده لتحدى إملاءات القوى العظمى والتي ظهرت بجلاء في خطاب ‏إعلان القرار الوطني المصري، سواء في خطاب التأميم الذي ألقاه الزعيم الراحل ‏جمال عبدالناصر، أو خطاب الفريق أول عبدالفتاح السيسي ‏في 3 يوليو2013، والتي أعلن فيها قرار الشعب المصري بالتحرر من اسر حكم ‏الإسلام السياسي وإنهاء سلطة جماعة الإخوان الإرهابية.‏

 

في معارك مصر العظمى لتأكيد سيادتها واستقلال قرارها الوطني كان الوعي ‏الفطري للمصريين هو البطل، رغم عنف الحملات النفسية وعمليات نشر الإحباط ‏واليأس، إلا أن المصريين تحدوا كل ذلك وقرروا فرض إرادتهم على العالم، ‏صلابتهم وقوه تحملهم وتمسكهم بحريتهم واستقلالهم هزمت كل دعاوى الانهزام، ‏وتمكنت القيادة السياسية في الحالتين بالتفاف الشعب حولها من تجنيب مصر مخاطر ‏الانزلاق إلى النفق المظلم وتحقيق الأمن والاستقرار.‏

 

تتصور دائما القوى المهاجمة للدولة المصرية أنه يمكن في سنوات أو حتى قرون ‏أنهاء الدور أو المشروع المصري ذو الأبعاد الإنسانية والتي على رأسها إقرار ‏العدالة والنزاهة لمصلحة المجتمع البشرى، ترى هذه القوى العدوانية أن وجود ‏المشروع المصري الإنساني يعطل مصالحها القائمة على الاستغلال والهيمنة على ‏الشعوب، ساندت مصر بكل قوتها دعوات تحرر الإنسان العربي والأفريقي من ‏الاحتلال متحديه القوى العظمى فكان الرد في التواطؤ ضدها في حرب 1967.‏

 

لكن العقل المصري تعلم الدرس وقرر أن العلم ونقد الذات هي طريقه الدائم للانتصار ‏، ظهر نتيجة ذلك في حالة التخطيط المتقن التي ظهر عليها الجيش المصري وباقي ‏مؤسسات الدولة في حرب أكتوبر، اطلقت صافرات الإنذار بعودة الدولة المصرية ‏القوية بعد سنوات من التيه، وكان لابد من تعطيل ذلك العقل مره أخرى وتهيأت ‏الأجواء لظهور الفاشية الدينية في أواخر السبعينات لتلاحق العقل المصري المنتصر ‏في أكتوبر، ورغم وصول الإسلام السياسي ممثل الفاشية الدينية إلى كرسي الحكم، ‏إلا انه أستطاع العودة من جديد ليدهش العالم بثورة 30 يونيو، يقود عقل أكتوبر الذي ‏تم بنائه في يوليو أبناء وأحفاد الذين عبروا للنصر لعبور جديد مع جيشهم في 30 ‏يونيو لإنهاء احتجاز الإسلام السياسي لعقل مصر وتحريرها من براثن الفاشية ‏الدينية.

 

يتميز عقل أكتوبر بأنه عقل ناقد لا يخادع نفسه واعى لكل ما يدور حوله لا يراوغ ‏في الحل ولا يقبل أنصاف الحلول ويبحث دائما عن الحل المبتكر وغير المتوقع ظهر ‏ذلك في تحطيم خط بارليف بأسلوب لم يتوقعه أحد، ثم ظهر بعد ذلك في يونيو وهو ‏يدير معركة القضاء على فيروس سي واستخراج الغاز المصري تحت قصف ‏إعلامي لا يتوقف لينتهي المرض اللعين الذي افترس أكباد المصريين، وينتهي العمل ‏قبل موعده الرسمي لتصبح مصر من بين اهم مراكز الطاقة في العالم.‏

 

لا يلجأ عقل أكتوبر لتجزئة الحل بل يقوم بحل شامل للأزمة التي يواجهها حتى يقتلع ‏أسبابها ويقوم بذلك وفق منهج وخطة متدرجة منضبطة ولا يتورط في الاندفاع أو ‏التراجع، ولا يتأثر عقل أكتوبر بالأجواء الدعائية المحيطة به ولا تجبره على تغيير ‏قراره حسب أهوائها لأنه ثابت في رؤيته وحركته قائمة على المنهج والخطة فقرار ‏حرب أكتوبر تم حسابه بدقة متناهية ولم يتأثر متخذ القرار بالأجواء المحيطة التي ‏طالبته بالإسراع.‏

 

عندما نضع هذه المحددات ونطبقها على حركة الدولة المصرية الأن نجد أنها تدار ‏وفق هذا العقل وكل قراراتها منذ ثورة 30 يونيو مرجعيتها الأولى خبرات عقل ‏أكتوبر، فأول ما فعلته الدولة المصرية عقب يونيو كان اعترافها بوجود قصور فادح ‏في وظائف الدولة وقررت فورا التعامل و مواجهة الأزمات المتراكمة كأزمة انقطاع ‏التيار الكهربائي وانتشار العشوائيات والاستيلاء على أراضي الدولة و في المجال ‏الاقتصادي ووفق خبرات عقل أكتوبر لم تقبل الدولة المصرية أسلوب المراوغة بل ‏اختارت المواجهة وأصدرت قرار رفع الدعم و تعويم الجنيه والتوسع في برامج ‏الحماية الاجتماعية مثل تكافل وكرامه لاحتواء الآثار الجانبية  لقرارات الإصلاح ‏الاقتصادي، لان عقل يونيو لن يقبل بخداع نفسه أو خداع الأخر .‏

 

يخوض هذا العقل الفريد الأن حربا لا تقل شراسة عن حرب تحرير الأرض من ‏الاحتلال لأنه الأن يحرر الأمة من احتلال العوز والمرض والجهل، يخوض عقل ‏يونيو بعد انتصاره على التغييب حربا عنوانها التشكيك في كل ما ينجزه أو يقوم به ‏من أجل الأمة أنها الحرب القذرة التي يقف ورائها ويديرها تحالف الشر من ‏الفاشيست وأسيادهم في الخارج.‏

 

وأخيرا بدأت دولة 30 يونيو في الإعلان عن نفسها بقوه ووقفت بقوة ضد الاستعمار ‏التركي في ليبيا وتحدت في نفس الوقت محاولات تطويقها في أزمة سد النهضة ‏الإثيوبي وقدمت نفسها كقوة رشيدة تحترم المخرجات الدولية وتحمى السلام بقوة ‏السلاح.‏

 

لم يدرك أعداء هذه الأمة الصامدة أن العقل الذي استعدناه من ظلام التغييب قادر على ‏سحقهم في حرب التشكيك.. وان قدر الأمة المصرية صانعة التاريخ هو الانتصار

 

 

Elmethaq