الرئيسية / مقالات / تقاطعات السياسة التركية من صفر عداوات إلى صفر صداقات
باسل ترجمان

تقاطعات السياسة التركية من صفر عداوات إلى صفر صداقات

 

 

باسل ترجمان

 

بتلاعب ذكي على الشعوب العربية والاسلامية التي تتحكم فيها غرائزها وعواطفها، نجح إردوغان بمساعدة أمريكية أوروبية وإسرائيلية، في إيهام عقول شعوب المنطقة انه الزعيم الإسلامي الديمقراطي الذي يريد إعادة الود والروابط التاريخية بين تركيا الحديثة ذات الاغلبية المسلمة والدول العربية التي يحترم نظمها ويقف معها في مواجهة الأطماع الصهيونية، ويناضل بكل جهد لتحرير الاراضي العربية المحتلة وخاصة الفلسطينية واستعادة أولى القبلتين وثالث الحرمين وعودة القدس لأهلها.

 

 

عشق وهيام بشخصية الرجل الزعيم، زاد في ابداع إخراجها الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريز الذي بقي صامتاَ عاجزاً عن الرد على غضب إردوغان ضد إسرائيل في مؤتمر دافوس، حتى خال البعض أن الجيش الاسرائيلي اصابه الرعب من تحرك الجيش العثماني الجديد ووراءه ملايين المسلمين مهللين مكبرين لتحرير الأقصى.

 

إردوغان وبيزيز

 

في تقديم رؤيته الفلسفية للحكم قال إردوغان وهو يمارس دور الشقيق المسلم المسالم لأهل دينه وأخوته، أن بلاده ستقطع مع ماض حكمه الأتاتوركيون الكفار ومعهم العسكر، وتركيا ستكون بلد صفر أعداء وستغلق كل ملفات الخلافات مع الجيران، وتعيد الود المفقود الذي دمره هؤلاء بممارساتهم الحمقى، ولله الحمد هبت جموع الاشقاء العرب والمسلمين الى البلد الاسلامي الشقيق وفتحت البيوت والقلوب والاسواق لتغزوها منتجات تركية لا تزيد في نوعيتها الاستهلاكية عما يصنع ويباع في كل الدول العربية.

 

 

في خضم هذا الواقع الوردي كانت جماعة إردوغان تتمدد داخل شرايين المنطقة وتمهد لتمرير مشاريع إعادة اسلمتها والتي صنفت بانها من مناطق أهل الكفر، على يد حزب العدالة والتنمية الذي صار المسمى الرسمي لجماعات الاخوان في دول المنطقة، ولم يطل الزمن الوردي حتى استعاد إردوغان وجهه الحقيقي، وانطلق يمارس الدور المكلف به والذي صنع من اجله مع انطلاق تمرير مشروع الربيع العربي الذي دشنه الرئيس الامريكي السابق أوباما من جامعة القاهرة عندما خاطب عواطف وغرائز العرب والمسلمين بقول “السلام عليكم”.

 

انطلق مشروع تفتيت المنطقة واعادة أسلمتها وتقسيمها تحت راية جماعة المسلمين وشعارها الذي ألهب الحناجر “الإسلام هو الحل”، وبدأت الانظمة تتهاوى والمشروع الذي دفع له اموال تكفي لإعادة بناء المنطقة كاملة، وتدفق سيل الجهاديين لتحرير بلاد الإسلام من الحكام المسلمين الذي كفروهم، وصار الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة، في الاجتماع التاريخي لـ”علماء الأمة” في القاهرة يونيو 2013، وبحضور محمد مرسي واسماعيل هنية ويوسف القرضاوي، والمئات من شيوخ ركبوا الموجة واقتنعوا أن الملائكة تحارب في سوريا بجانب المجاهدين ضد جيش “الكافر” بشار الأسد.

 

 

 

هذه الحكاية التركية الركيكة والتي نفذتها ادوات محلية وبدأت بكذبة صدقها الكثيرون مثل عادتهم لم تمر، بل كان هناك ثلاث معطيات قلبت المشهد رأساً على عقب، أولها صمود النظام السوري رغم الهجمة الهستيرية ضده ونقل ما يقارب 200 ألف ارهابي عبر تركيا لإسقاطه، ثم إبعاد الاخوان عن حكم مصر بالتظاهرات التي لم تعرف مثيلاً لها، في كل مدن وقرى مصر بعد أقل من اسبوعين على اجتماع علماء الأمة واعلانهم الجهاد لإسقاط النظام في سوريا، ثم كان الخروج التاريخي للشعب التونسي في شهر يوليو واعتصام الرحيل الذي اطاح بحكم حركة النهضة وفتح الباب نحو تحجيم دور الجماعة في المنطقة.

 

تغير وجه إردوغان، وتحول من المسلم الوديع إلى العثماني الشرير، الذي يريد فرض أوهامه على المنطقة، خاصة في الزوايا الرخوة التي لم ينتهي فيها دور الجماعة، وصار صديق الجميع، عدوًا للجميع وخصمهم، وتركيا لربما الدولة الوحيدة في العالم التي حاصرت نفسها بدوائر العداء الجغرافي الاستراتيجي، وسعت لتوسيعها، في تلبس لأفكار وزير الدفاع الاسرائيلي الاسبق أرييل شارون صاحب نظريات دوائر العداء الاستراتيجي.

 

 

سؤال يطرح نفسه من هم أصدقاء تركيا في المنطقة والمحيط الاقليمي؟ برؤية لخريطة المنطقة يمكن ان نرى حجم العداء التركي لدول الجوار يمتد من سوريا، العراق، قبرص، اليونان، بلغاريا، أرمينيا، وعلاقات متوترة مع إيران إلى شكوك روسية كبيرة بنوايا إردوغان  جراء علاقاته بجورجيا، هذه الدائرة الاولى التي تتقاسم الحدود الجغرافية مع تركيا والتي يجاهر بعدائه لدولها وشعوبها، توسعت إلى دائرة ثانية حيث وصل العداء لدول الخليج العربي البعيدة جغرافياً عنه، ومصر التي اعتبرها خصمه وعدوه اللدود، ثم فرنسا، ليبيا، تونس، الجزائر، وصولا إلى عداء ضد موريتانيا التي تطل على المحيط الاطلسي ومحاولات التلاعب بأمن واستقرار دول القرن الافريقي عبر دعم الجماعات المتطرفة في الصومال التي تسيطر على مقديشو.

 

إردوغان وشارون

 

هذا السلوك غير السوي سياسياً، يلقي بظلال كبيرة حول تصرف تركيا ضد دول الجوار والمحيط الاقليمي، وماذا ستجني من وراءه، فهل يعتقد إردوغان أن مشروع إعادة أمجاد السلطنة وارجاع التاريخ للخلف سيحقق احلامه، أم أن المخطط لاستمرار تأزيم الاوضاع في المنطقة له أهداف أخرى، خاصة وأن أطراف مثلث الصداقة والتعاون التركي القطري الاسرائيلي علاقاتهم قوية متينة وتزدهر، والتعاون في كل المستويات وخاصة الأمني والعسكري وصل مراحل لم يعرفها في تاريخه.

 

تركيا التي اشترت عداء دول وشعوب المنطقة أوصلتها مغامرات إردوغان لحدود الأزمة الاقتصادية الخانقة، والزعيم العثماني الجديد لم يبقى من خيارات أمامه سوى السير في طريق العداء والكراهية تحت شعار “قاتل ام مقتول”، متناسياً أن كل من رفع هذا الشعار انتهى به.

 

 

 

شاهد أيضاً

في ذكراه.. لا لوم على العاشقين يا ناصر

      ليس لدي مثل أعلى أو زعيم أو قائد أراه الأفضل، لم اتعصب …

Elmethaq