الرئيسية / مقالات / ثلاثون عاماً على كارثة غزو الكويت
باسل ترجمان

ثلاثون عاماً على كارثة غزو الكويت

 

 

باسل ترجمان

 

سيبقى يوم الثاني من أغسطس/ أب 1990 راسخاً في ذاكرة من كان شاهداً على تلك الحقبة، وعلامة فاصلة وجارحة في تاريخ العالم العربي والعالم، وبدون مقدمات استفاق الجميع على خبر وصول دبابات الجيش العراقي إلى وسط مدينة الكويت معلناً إسقاط نظامها ثم ضمها للعراق، في تصرف لم يجد أحد تفسيراً منطقياً أو تبريراً له والذي ستبقى ارتداداته لفترة طويلة قادمة تواصل ترك أثارها في المنطقة العربية والكثير من مناطق العالم.

 

أركان النظام العراقي السابق قدموا تبريرات لم تستطع إقناع أحد بوجاهتها، كالحديث عن تحضير لغزو العراق وأسقاط نظامه والمؤامرة الأمريكية الصهيونية بأيادي عربية لتدمير العراق الحامي للبوابة الشرقية للأمة العربية في وجه الأطماع الإيرانية التي يمثلها نظام آيات الله في طهران.

 

العراق الذي خرج منهكاً من حرب مع إيران استمرت لأكثر من عشر سنوات ولم ينتصر فيها أو ينهزم، وجد أن فاتورة الحرب ونتائجها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ثقيلة جداً وعجز عن تبريرها، والحروب التي لا تحقق أهدافها تطيح برؤوس من أعلنوها، وفي قفزة مغامرة للإمام ومحاولة قلب المعادلة توهم قادة العراق أن الهجوم الجديد سيعيد فرض قرارهم على دول الجوار التي وقفت معهم وساندتهم في مواجهة إيران وأطماعها بعد سقوط نظام الشاه بتصدير ثورتها إلى دول الجوار.

 

لو تساءل العراقيون اليوم عما تكلف لهم غزو الكويت من خسائر لتبينوا أن الخلاف العراقي الكويتي تمحور أساسا حول عشرة مليارات دولار قال العراق أن الكويت استحوذت عليها من حقل للنفط متنازع عليه بن البلدين ورغم تدخل السعودية بكل ثقلها لحل الخلاف، لكن القضية لم تكن أبداً هي المشكلة بل كيف يمكن الهروب من الجواب على الأسئلة التي طرحت نفسها في واقع العراق، لماذا وماذا حقق من حرب طاحنة استمرت أكثر من عشر سنوات وما حجم الخسائر التي تكبدها بالأرواح والأموال جراءها.

 

قسم غزو الكويت الأشقاء العرب في مفارقة غريبة تعكس هشاشة نفسية الإنسان العربي المحملة بالألم ومتعة مشاهدة الآخر يعيشه، وبعض من كان ومازال يطالب بتحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة هلل للغزو، وكأن طريق تحرير فلسطين يمر من الكويت، تماما وبنفس حالة انفصام الشخصية الذي ميز مرحلة ما بعد “الربيع العربي” حيث تفجر الحقد داخل العقل العربي المغلف بالإسلاموية ضد العربي الأخر، وصار الجهاد فرض عين لإسقاط الأنظمة التي كفرت واستبيحت، بينما تناسى هؤلاء أنهم لم يتجرأ أحد منهم على الهمس بإعلان الجهاد كفرض عين على كل مسلم ومسلمة بالنفس والمال ضد إسرائيل مثلما أعلنوه ضد أشقائهم الذين كفروهم واستباحوا دمائهم.

 

ثلاثون سنة مرت على الغزو، ومن نتائج حماقة هذه الخطوة تدمير العراق كدولة وتجويع شعبه وانهيار نظامه السياسي وفشل تشكيل نظام سياسي بديل، وفتح باب للانفلات الإقليمي حيث برر التدخل العسكري الخارجي في المنطقة بعد إعلان ضم الكويت لتكون المحافظة التاسعة عشر للعراق وأعطى الذرائع للإدارات الأمريكية المتعاقبة للأعداد للغزو وأسقاط نظام الرئيس صدام حسين.

 

الشرخ الذي تسبب به الغزو بين الأشقاء العرب لم يندمل بل تعمق أكثر، وتوسع من دائرة العراق والكويت ليتحول إلى دوائر كبرت وتكبر، حيث يقف الشعب السوري مندهشاً من حقد كثيراً من الأشقاء عليه فمن يصدق أن أكثر من مائة ألف عربي مسلم شدوا الرحال رجالاً ونساء لتحرير سوريا من نظامها الكافر، وأن أطراف عربية وإسلامية تفاخر بدورها في التآمر على سوريا ومشاركتها في الجريمة.

 

في مصر ينظر أبناء وادي النيل بدهشة لتحالف إقليمي قطري تركي إسرائيلي، هدفه السعي لقطع مياه النيل شريان حياة مصر بتشجيع إثيوبيا على تجاهل كل الاتفاقات الدولية وحقوق تقاسم المياه وفرض أمر واقع يحكم على السودان ومصر بالعطش انتقاماً من موقف سياسي لم يتماهى مع تصنيع قطر لتكون الحاكم الجديد للمنطقة وصانع زمانها.

 

كثيرة دوائر العداء والكراهية التي توسعت بعد جريمة غزو الكويت، وأكثر منها الأسئلة التي لم نتجرأ على طرحها لنصوب علاقاتنا ببعضنا البعض، وطالما أن المصارحة بين الأشقاء لم تتم على أسس صادقة فإن المصالحة لن يكتب لها أن ترى النور وحالة التناسي وليس النسيان ستبقى تحكم علاقات الجميع، والخوف وانعدام الثقة تشكل حجر زاوية تعامل الأشقاء فيما بينهم على حساب شعوبهم ومصالحهم المشتركة.

 

 

 

شاهد أيضاً

في ذكراه.. لا لوم على العاشقين يا ناصر

      ليس لدي مثل أعلى أو زعيم أو قائد أراه الأفضل، لم اتعصب …

Elmethaq