الرئيسية / مقالات / صورة البطل 2
محمد صباح

صورة البطل 2

محمد صباح

 

سنكمل في حديثنا سويا موضوع #صورة البطل الذي بدأناه قبلا. تعرفنا علي جبل راشمور الأسطوري الذي لا يقدر بثمن. والتكلفة الفلكية اللي تحملها الأمريكان في وقت عصيب لأن (تلاشي صورة البطل من أعراض تلاشي الثقة في العظمة الوطنية).

 

وكما اتفقنا فإن جميع الأمم كانت عندها رموزها وأبطالها. وطالما تحدثنا عن أمريكا فلابد أن نتحدث أيضا عن الخصم التاريخي التقليدي لهم الاتحاد السوفييتي.

 

ننتقل بالزمن إلى منتصف القرن العشرين. نتحدث عن مدينتين من أقدم واعرق مدن روسيا. سان بطرسبرج بكاتدرائياتها وكنائسها وفولغوجراد بموقعها الاستراتيجي وتاريخها العريق الممتد.

 

طبعا وكما فهمت بالضبط، طالما أننا نتحدث عن وسط القرن العشرين فنحن نتحدث عن الحرب العالمية. في هذا الزمان كانت أسماء المدينتين مختلفة قليلا عما نعرف.

 

كانا على الترتيب لينينجراد وستالينجراد (مدينة لينين ومدينة ستالين)، وشهدا ألعن وأقسى معارك الحرب العالمية، الجحيم المتجمد والحصار الوحشي والرجال مبتوري الأطراف من قضمة الجليد.

 

لينين

 

السؤال هنا …. من هما لينين وستالين، والذين أطلق اسميهما على أعرق مدن روسيا؟؟

لكي نعرف سنعود بالزمن 20 عاما إضافية. عشرينات القرن العشرين. الحرب الأهلية الروسية والتي أطاحت بالنظام القيصري وجلبت مجموعة أيدلوجية للحكم عام 1919 وهي ما عرفت بالثورة البلشفية.

 

على رأس هذه المجموعة رجل أصلع متعصب حاد النظرات دقيق البنية له ذقن مدببة مميزة اسمه فلاديمير لينين. مؤسس اتحاد الجمهوريات السوفيتية وأول زعيم له. وكان مساعده الأول شاب من جورجيا متين البنية كث الشارب يعمل حداد اسمه جوزيف ستالين. وهو من شغل منصب الزعيم خلفا لـ لينين مباشرة.

 

ستالين كان قائد الاتحاد السوفيتي في الحرب الوطنية العظمي (التسمية السوفيتية للحرب العالمية الثانية) والتي كانت أعظم انتصارات السوفييت العسكرية على مر تاريخهم الذي لم يتجاوز سبعون عاما فقط.

بمعني … لينين مؤسس الدولة وستالين قائد انتصارها العسكري المبين الوحيد.

 

ستالين

 

بالعودة للمدينتين العريقتين والتي تغير اسميهما ليحملا أسماء القادة. نحن الأن في شتاء 1941 في ألعن موقف مر على القادة العسكريين السوفييت في تاريخهم، النازي حرك جحافل جرارة ويحاصر حاليا مدينة لينين -العدو الأيديولوجي العتيد للنازية- ويحاصر مدينة ستالين -القائد الحالي- وسقوط أي من المدينتين له أثر مدوي في نفوس المقاتلين الشيوعيين. يجب الصمود بأي ثمن للحصار حتى لا تسقط مدن الرفاق القادة في أيدي العدو.

 

وصل الأمر إلى أن حصار مدينة لينين تخطي 850 يوم. قرابة ثلاث سنوات في واحدة من أعنف معارك التاريخ كله.

لماذا؟؟

لإصرار الألمان أن تسقط مدينة مؤسس الدولة وإصرار السوفييت على حماية اسم رمزها. لدرجة انهم نقلوا جثمان لينين المحنط من مرقده في الساحة الحمراء واخفوه في سيبيريا تحسبا لكيلا يقع في يد النازي.

 

معلومة مهمة يجب أن نذكرها

بعد موت لينين القادة السوفييت قرروا تحنيط جثمانه ويستعملوا تقنيات عالية متقدمة جدا للحفاظ على لون البشرة والشعر ووضعه في ضريح زجاجي وبناء ضريح مخصوص في قلب الميدان الأحمر، الميدان الأشهر في موسكو، ليأتي المواطنين السوفييت من كل أنحاء الاتحاد لإلقاء التحية على مؤسس دولتهم وبطلهم ورمزهم. وكرروا الكلام نفسه مع القائد العسكري ستالين. ومنعت تماما أدوات التصوير الفوتجرافي أو الفيديو أو التدخين أو أي علامة علي عدم توقير جثامين الأبطال المحنطة.

 

السؤال المهم … هل كانوا أبطال حقا؟؟؟

الإجابة سنجدها في المصادر المعادية للشيوعية. أن الرجلين يعدا من ألعن سفاحي الأرض والتاريخ الإنساني كله. ستالين مثلا مسئول بطريقة مباشرة عن مجاعة روسيا في منتصف العشرينات وأوائل الثلاثينات. ولم يكتف بآثار المجاعة ولكنه كان يعدم أي شخص يعترض أو لا يتعاون مع السلطات وقتها. هذه المصادر تحمله شخصيا مسئولية دم 25 مليون إنسان ماتوا أو قتلوا في فترة حكمه.

 

الغريب أن الروس ورثة السوفييت لا يروا الأمر بهذه الطريقة. وإنما لا يرون إلا انه قائد عسكري رفيع انتصر في الحرب الوطنية العظمي. بل ونجد أن المشهور عنه بين مواطنيه -جورجيا- مقولة منسوبة لتشرشل أن ستالين (استلم الاتحاد السوفيتي بمحراف زراعي وسلمه بسلاح نووي)

ما الذي تعنيه تلك الرواية بأكملها؟؟؟

الأمة الروسية وقر في ضميرها مفهوم صورة البطل. وكما صنع الأمريكيون صنع السوفييت. حنطوا جثامين رموزهم المؤسسة للدولة وحافظوا على أسمائهم حفاظ شديد. تكبدوا في سبيل ذلك المال والأرواح. وتغافلوا عقلهم الجمعي عن أي رواية مسيئة للرمز. وأعلوا من قيمة صورة البطل.

 

الملحوظة أن الروس لم يتعاملوا مع رؤساء بذلك التبجيل المبالغ فيه إلا مع لينين وستالين. ولم يأتي من بعدهم قائد تحول لرمز شعبي إلا فلاديمير بوتين.

 

بوتين رجل مخابرات عتيد. يفهم جيدا أهمية البطل في حياة الشعوب. قدم نفسه لشعبه بالصورة البطولية التي كان ينتظرها الشعب. رجل صارم بارد الملامح –وتلك مميزات وليست عيوب عند الروس- يقود القاذفات الاستراتيجية بنفسه -أخر ملامح العظمة السوفيتية هي تلك القاذفات- ويطلق صواريخ بالستية بيده. يمتطي صهوة جواد محلي العرق، عاري الجذع وسط الغابات. ويمارس رياضة الجودو بانتظام، في بلد الألعاب الفردية لها مكانة متميزة وسط شعبه عكس الألعاب الجماعية مثل كرة القدم.

 

باختصار … رجل المخابرات المحترف يعيد للأذهان الروسية صورة البطل التقليدية لإدراكه أهمية هذه الصورة. لهذا لم يكن من المفاجئ أن شعبية ستالين تزيد في روسيا في فترة ولاية بوتين.

 

طال بنا الحديث هذه المرة. فالحديث عن السوفييت شيق ومثير. في المرة القادمة سنذهب إلى مكان أخر لنري كيف يتم صناعة الأبطال في الأمم المختلفة

لو كان في عمرنا بقية.

شاهد أيضاً

في ذكراه.. لا لوم على العاشقين يا ناصر

      ليس لدي مثل أعلى أو زعيم أو قائد أراه الأفضل، لم اتعصب …

Elmethaq