الرئيسية / مقالات / في ذكراه.. لا لوم على العاشقين يا ناصر
عمرو شاهين

في ذكراه.. لا لوم على العاشقين يا ناصر

 

 

عمرو شاهين

 

ليس لدي مثل أعلى أو زعيم أو قائد أراه الأفضل، لم اتعصب لرئيس جمهورية ممن مروا على هذه الأرض ربما لم أحب أحدا ممن حكمها الجميع له ما له وعليه ما عليه ربما بيبرس استثناء شخصي ولكن ليس له علاقة بطريقة حكمه، ما لنا ببيبرس البندقداري الآن، لنعود إلى ذلك اللغز الذي سمته الأكثرية زعيماً وسماه الكثير ناصر والقصد هنا هو جمال عبدالناصر.

 

الرجل الذي ظل يحكم حتى بعد وفاته لفترة وظل خالدا ويبدو انه سيظل ليتكون اللغز كيف لحاكم هزم شعبه ووطنه مرات في معارك عسكرية من بينهم كارثة اسميناها نكسة، وكيف لحاكم أسس مبدأ الثقة لا الكفاءة لإدارة البلاد، وكيف لحاكم جاء بصديقه المقدم ليحوله على لواء ثم إلى مشير دونما كفاءة تذكر، وإمعانا في الإفساد الإداري أصبح تابعي الصديق هم المتحكمون في أغلب شئون البلاد.

 

 

فكان ثقة عبدالناصر بعبدالحكيم لا حدود لها ومنها اكتسب التابعين أمثال شمس بدران وصلاح نصر ثقة الزعيم، لتدخل مصر جيب زمني عجيب وغريب، فكيف لرجل بمثل هذه الأفاعيل أن يظل خالدا ومحبوبا بعد كل تلك السنوات؟

 

ومما يزيد اللغز غموضا، أن هذا الحب متجاوزا لحدود الزمان والمكان، فمن يحبه ممن لم يعاصره كثيرون، ومن يحب ممن لم يعاصره وليسوا بمصريين كثيرون أيضا، 18 عاما قضاها الزعيم في موقعه، عرفنا فيها القطاع العام والحصار الاقتصادي والسلاح السوفيتي والطائرات الميج والدبابات الروسي والصواريخ الظاهر منها والقاهر والعلماء الألمان والعدوان الثلاثي ومصادرة الممتلكات والتأميم للشركات، ودول عدم الانحياز وأصبحت أمريكا هي الإمبريالية العالمية.

 

وحاربنا في اليمن وفي سيناء وهُزمنا وخرج من رحمنا أبطال وانتصرنا في معارك صغيرة، واممنا قناة السويس، وعرفنا زوار الفجر وغيرها من أحداث لا تنتهي، فلا مبالغة لو قولنا إن حقبة ناصر هي من شكلت الوعي الجمعي للمصريين حاليا ومستقبلا، بحلوه ومره.

 

 

كل تلك الأحداث والبقع السوداء في ثوب هذا الرجل لم تستطيع أن تجعل شعبيته تنهار، حتى بعد وفاته فخرج الشعب بكامله في جنازته بل إن كل بلده كان بها جنازة رمزية لتشيع الزعيم على مثواه الأخير، خصومه بعد وفاته هم من رثوه، ولنا في أحمد فؤاد نجم أبرز مثال حيث كتب قصيدته الشهيرة (زيارة لضريح عبدالناصر) داخل جدران السجن -حسبما أذكر- السجن الذي دخله على يد رجال عبدالناصر.

 

كثيرا ما حاولت حل هذا اللغز المتمثل في ناصر، قرأت أغلب ما كتب عنه من مؤيديه ومعارضيه، بحثت بشغف وعن كثب حول أحداث تلك الفترة، قرات عن زوار الفجر في عهده، تعرفت على حمزة البسيوني وغيرهم من رجال السمعة السيئة في نظامه، كل ما وقعت عليه يدي من مذكرات لرجال تلك الحقبة قرأتها، وبعيدا عن أن الجميع بلا استثناء كان يصدر نفسه كالشخص المهم المحرك للأحداث دائما كعادتنا حينما نتحدث عن أنفسنا فنعطيها الدور الأبرز، إلا أن كل هذا لم يضع يدي على مفتاح اللغز الناصري.

 

 

مفتاح اللغز وجدته في غرفة نوم عبدالناصر، صدفة قدرية قادتنا إلى جولة شديدة الخصوصية في منزل الزعيم الذي تحول إلى متحف، لأدخل إلى أماكن لم يدخلها من قبلي الكثيرين، لأعرف حل هذا اللغز ببساطة، لأكتشف أن حل هذا اللغز ليس معقدا مثلما كنت اعتقد بل هو أبسط بكثير مما توقعت.

 

ليست كاريزما عبدالناصر هي الحل، هي كانت إطار جيد للصورة الحقيقة، في غرفة نوم عبدالناصر، رأيت رجلا يشبه كل الاباء الذين عرفتهم، يرتدي ملابسهم، يستخدم نفس أدواتهم، يحب نفس اكلاتهم البسيطة والشعبية، له هوايته مثلهم يحب ابناءه مثلهم، بل ويشتري بعض احتياجاته من السوق السوداء مثلهم أيضا.

 

 

رأيت المصريين في الستينات في عبدالناصر، والاهم أننا فهمت لماذا أحبه المصريون، أحبوه لأنهم هو ولأنه هم، هو الأخر كان يحبهم ولكن بطريقته وأصل اغلب فترات حكمه على أن يحبهم بطريقته هو وان يحب الوطن بطريقته هو، ويخلص له بطريقته هو، لم يكن ساعيا إلى نفوذ أو بقاء أو تخليد.

 

كان ناصر عاشقا يبوح بعشقه فعلا لا قولا، ولكن أي عاشق هذا الذي سترضي طريقته في العشق الملايين، حينما نعشق نخطئ ونصيب وهكذا ناصر بطريقته في العشق أخطأ، أخطأ حينما أحاط معشوقته بحمايته أو ما ظن أنهم الحماية بشلة من الرجال الذين وثق فيهم، أخطأ حينما رسم لعشيقته طريقا لتسير فيه دونما النظر للعديد من العوامل، ناصر هو العاشق السلطوي الذي يحب بتلك الطريقة، ولا لوم على العاشقين.

 

تلك الزيارة كانت مفتاح حل اللغز ولكنا لم تجعلني من محبي الزعيم ولا كارهيه فقط فهمت لماذا يحبه الكثيرون ويبغضه الكثيرون ولكنه مازال وسيظل خالدا كخلود روميو وعنتر وقيس والفرق ان هؤلاء فتى ثري وفارس وشاعر بينما هو كان زعيم وويل لمن يعشقهم الزعماء.

 

 

.

شاهد أيضاً

لماذا مصر؟

    ميساء أبو زيدان   بعيداً عن الأهداف التي من أجلها تشكلت خلية حزب …

Elmethaq