الرئيسية / مقالات / من “حلب” إلى “سرت”.. معارك الطورانية المتجددة
أحمد حمنيه

من “حلب” إلى “سرت”.. معارك الطورانية المتجددة

 

 

أحمد حمنيه

 

تشهد المنطقة العربية اليوم، أسوأ تجليات الهجمة العثمانية الإنكشارية السلجوقية الجديدة، التي كشرت عن أنيابها، مستغلة مخرجات “ربيع بيرنار ليفي” وتداعياته الكارثية على العرب وارض العرب، حيث نعيش اليوم احدى أسوأ مراحلنا في التاريخ.. مرحلة عنوانها شرذمة الدول والمجتمعات العربية وتفكيك الجيوش العربية وإفشال بعض الأقطار وإغراق الأخرى في الأزمات الاقتصادية والأمنية.. ويأتي ذلك امتدادا لعقود من التيه والفراغ اللذين خلفهما غياب المشروع القومي العربي.

 

وإذا كان الاستعمار العثماني القديم قد جاء تحت ستار ديني ظاهره الخلافة الإسلامية، وباطنه بسط النفوذ وتحقيق الأحلام القومية الطورانية، ليرتكب جرائمه الشنيعة بحق العرب ثقافيا واقتصاديا وسياسيا، فان المشروع العثماني الإردوغاني الجديد يأتي اليوم محمولا على أجنحة “تيار الإسلام السياسي”، وربيعه الموجه دينيا من فتاوي شيوخ الإخوان والممول من آبار الوقود في الإمارة القطرية، والمحمي بحراب قاعدة “العديد” الأمريكية.

 

فبعد إسقاط العراق واحتلاله سنة 2003، وما تلا ذلك من محاولات استهداف المنطقة عبر “فوضى خلاقة” تقودها الدبابة الأمريكية، وبعد أن تعثر المشروع بفضل صمود محور المقاومة واستعصاء دمشق، تغيّر التكتيك وتأجل قليلا، إلى أن جاءت لحظة ركوب موجة الربيع العربي الذي جاء ردا على واقع اجتماعي وسياسي مأزوم، وكان عبارة عن مطالب مشروعة ومحقة لشعوب عانت الفقر والظلم والقهر والتخلف والاستبداد والفساد.. فتم توجيه الربيع لمآرب أخرى، وتحقق حلم “بريجنسكي” وباتت المنطقة على موعد مزدهر مع تدخلات كافة القوى الطامعة.

 

كانت تركيا أبرز المستفيدين من الوضع الجديد، فاستغلت صعود تيارات الغوغاء الإسلاموية، منتهزة فرصة تدثرها بنفس الخلفية المذهبية لغالبية شعوب المنطقة، بالإضافة إلى الانتماء الإخواني لإردوغان وحزبه، فامتزج الحلم القومي التركي الإردوغاني بمطامع التيارات الاسلاموية.

 

دشن المشروع الإردوغاني أولى جولاته في سوريا مستغلا فورة التكالب العالمي على دمشق، فكانت أراضي العثمانيين الجدد وأجوائهم ومطاراتهم ممرات آمنة لإدخال قطعان التكفيرين والمرتزقة من كافة أصقاع العالم إلى الأراضي السورية، وكان “الجيش السوري الحر” و”جبهة النصرة” وبقية الفصائل المسلحة، أدوات تركية طيعة على الأرض تأتمر بأوامر أنقرة وتنفذ ما تريد.. وتم التركيز على مدينة “حلب” التي أريد لها أن تكون محور ونقطة ارتكاز للمشروع الإردوغاني التكفيري الظلامي.

 

لك الدولة السورية وحلفاؤها نجحوا في دحر المخطط، وطردوا ضباع الإرهاب والتكفير من “حلب” التي شكلت استعادتها دقا لآخر الأسافين في نعش المشروع.

 

اليوم يكرر المشروع المنكسر صولته في مكان آخر من المنطقة العربية بعد هزيمته على ارض الشام، ويوجه بوصلته التآمرية باتجاه قطر عربي آخر ويدشن محطة جديدة من محطات التدخل السافر في الأراضي العربية، والمسرح هذه المرة هو ساحة المغرب العربي، وبالتحديد ليبيا التي استغل فيها صراع الجيش الوطني الليبي مع المليشيات الإرهابية والحركات التكفيرية المتطرفة، فقام بإرسال آلاف المرتزقة السوريين التابعين له، من اجل دعم ميليشيات حكومة الوفاق غير الشرعية التي تسيطر على طرابلس وأجزاء من الغرب الليبي.

 

ألقت تركيا الطورانية الاستعمارية بثقلها العسكري والسياسي على الأراضي الليبية، مستهدفة ثلاثة أمور أساسية: وضع يدها على منابع النفط الليبي، وسرقة ثروات القطر العربي كما فعلت مع سوريا، أما الأمر الثاني فهو خلق منطقة نفوذ في المغرب العربي ومحاصرة تونس والجزائر والتمدد إلى أفريقيا، أما الأمر الثالث، فهو استهداف مصر وأمنها القومي ومضايقتها بالميليشيات والجماعات والإرهابية.

 

تمكنت حكومة الوفاق وميليشياتها المدعومة بالتدخل التركي من الاستيلاء على قاعدة الوطنية الجوية، والتقدم باتجاه مدينة “سرت” التي صارت تقف على تخومها.. تم استهداف “سرت” التي أراد لها إردوغان أن تكون نقطة الارتكاز في مشروعه التخريبي غربا، كما كانت حلب محور الارتكاز في مشروعه التخريبي في المشرق.

 

لكن “الخط الأحمر” المصري جاء مدويا وفي وقته، وأربك حسابات المشروع الإردوغاني الذي صار يحشد إعلاميا ونفسيا، لكنه عاجز عن التقدم.. مرت أسابيع على ذلك الإنذار المصري ولازال “خليفة الإطفاء” يناور ويطلق قنابله الصوتية في الفراغ.. فلا شك أنه أدرك جدية التحذير المصري بالتدخل والذي أن حدث سيغير الكثير من قواعد اللعبة على الأرض، وسيقضي على الميلشيات المسلحة ويقلم أظافر “الخليفة” المسكون بشهوة السيطرة ونهم التدخل والعدوان على الأراضي العربية.

 

وكما كانت “حلب” هي بداية “خوزقة” المشروع التركي التخريبي في سوريا، فربما تكون “سرت” هي بداية خوزقة المشروع العثماني الطوراني في ليبيا ومنطقة المغرب العربي كافة.

 

استخدمتُ مصطلح “الخوزقة” نسبة إلى الخازوق، لأنه ربما الإنجاز الوحيد الذي قدمه العثمانيون للعرب والبشرية جمعاء.

 

شاهد أيضاً

في ذكراه.. لا لوم على العاشقين يا ناصر

      ليس لدي مثل أعلى أو زعيم أو قائد أراه الأفضل، لم اتعصب …

Elmethaq